ابراهيم بن عمر البقاعي
65
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
قال فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا [ عبس : 27 ] وذكر من طعامه من العنب وغيره ما لا يصلح للأنعام وَأَنْفُسُهُمْ أي من حبه ، وأصله إذا كان بقلا . ولما كانت هذه الآية مبصرة ، وكانت في وضوحها في الدلالة على البعث لا يحتاج الجاهل به في الإقرار سوى رؤيتها قل : أَ فَلا يُبْصِرُونَ إشارة إلى أن من رآها ونبه على ما فيها من الدلالة وأصر على الإنكار لا بصر له ولا بصيرة . [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 28 إلى 30 ] وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 28 ) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 29 ) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ ( 30 ) ولما كانت هذه الآية أدل دليل - كما مضى - على البعث ، وكان يوما يظهر فيه عز الأولياء وذل الأعداء ، أتبعها قوله تعجيبا منهم عطفا على « يَقُولُونَ افْتَراهُ » ونحوها : وَيَقُولُونَ أي مع هذا البيان الذي لا لبس معه استهزاء : مَتى هذَا الْفَتْحُ أي النصر والقضاء والفصل الذي يفتح المنغلق يوم الحشر إِنْ كُنْتُمْ أي كونا راسخا صادِقِينَ * أي عريقين في الصدق بالإخبار بأنه لا بد من كونه لنؤمن إذا رأيناه . ولما أسفر حالهم بهذا السؤال الذي محصله الاستعجال على وجه الاستهزاء عن أنهم لا يزدادون مع البيان إلا عنادا ، أمرهم بجواب فيه أبلغ تهديد ، فقال فاعلا فعل القادر في الإعراض عن إجابتهم عن تعيين اليوم إلى ذكر حاله : قُلْ أي لهؤلاء اللد الجهلة : يَوْمَ الْفَتْحِ أي الذي يستهزئون به ، وهو يوم القيامة - تبادرون إلى الإيمان بعد الانسلاخ مما أنتم فيه من الشماخة والكبر ، فلا ينفعكم بعد العيان وهو معنى لا ينفعكم - هكذا كان الأصل ، ولكنه أظهر الوصف تعميما وتعليقا للحكم به فقال : يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي غطوا آيات ربهم التي لا خفاء بها سواء في ذلك أنتم وغيركم ممن اتصف بهذا الوصف إِيمانُهُمْ لأنه ليس إيمانا بالغيب ، ولكنه ساقه هكذا سوق ما هو معلوم وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ * أي يمهلون في إيقاع العذاب بهم لحظة ما من منظر ما . ولما كانت نتيجة سماعهم لهذه الأدلة استهزاءهم حتى بسؤالهم عن يوم الفتح ، وأجابهم سبحانه عن تعيينه بذكر حاله ، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم لشدة حرصه على نفعهم ربما أحب إعلامهم بما طلبوا وإن كان يعلم أن ذلك منهم استهزاء رجاء أن ينفعهم نفعا ما ، سبب سبحانه عن إعراضه عن إجابتهم ، أمره لهذا الداعي الرفيق والهادي الشفيق بالإعراض عنهم أيضا ، فقال مسليا له مهددا لهم : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي غير مبال بهم وإن اشتد أذاهم وَانْتَظِرْ أي ما نفعل بهم مما فيه إظهار أمرك وإعلاء دينك ، ولما كان الحال مقتضيا لتردد السامع في حالهم هل هو الانتظار ، أجيب على سبيل التأكيد بقوله : إِنَّهُمْ